ابن حزم
371
رسائل ابن حزم الأندلسي
فلاح بهذا عياناً ما ذكرنا من أن المحبة كلها جنس واحد لكنها تختلف أنواعها على قدر اختلاف الأغراض فيها . وإلا فطبائع البشر كلهم واحدة ، الا ان للعادة والاعتقاد الدياني تأثيراً ظاهراً . ولسنا نقول إن الطمع له تأثير في هذا الفن وحده ، لكنا نقول إن الطمع سبب إلى كل هم ، حتى في الأموال والأحوال ، فإننا نجد الانسان يموت جاره وخاله وصديقه وابن عمته وعمه لأم وابن أخيه لأم وجده أبو أمه وابن بنته ، فإذ لا مطمع له في ماله ، ارتفع عنه الهم بفوته عن يده ، وان جل خطره وعظم مقداره فلا سبيل إلى أن يمر الاهتمام بشيء منه بباله ؛ حتى إذا مات له عصبة على بعد أو مولى على بعد حدث له الطمع في ماله وحدث له من الهم والأسف والغيظ والفكرة بفوت اليسير منه عن يده أمر عظيم . وهكذا في الأحوال : فنجد الانسان من أهل الطبقة المتأخرة لا يهتم لإنفاذ غيره أمور بلده دون أمره ولا لتقريب غيره وإبعاده ، حتى إذا حدث له طمع في هذه المرتبة حدث له من الهم والفكر والغيظ أمر ربما قاده إلى تلف نفسه وتلف دنياه وأخراه . فالطمع اذاً أصل كل هم ( 1 ) ، وهو خلق سوء ذميم . وضده نزاهة النفس ، وهذه صفة فاضلة متركبة من النجدة والجود والعدل والفهم لأنه فهم ( 2 ) قلة الفائدة في استعمال ضدها فاستعملها ، وكانت فيه نجدة أنتجت له عزة نفسه فتنزه ، وكانت فيه طبيعة سخاوة نفس فلم يهتم لما فاته ، وكانت فيه طبيعة عدل حببت اليه القنوع وقلة الطمع . فإذا نزاهة النفس متركبة من هذه الصفات ، فالطمع الذي هو ضدها متركب من الصفات المضادة لهذه الأربع الصفات ، وهي الجبن والشح والجور والجهل .
--> ( 1 ) ص : أصل كل ذل وهم لكل هم . ( 2 ) م : رأى .